الأخبار العاجلةكلمة حرة

ست الحبايب يا حبيبة …، بقلم ناضل حسنين

وقف صبي يبدو في العاشرة من العمر على الرصيف ينظر إلى باقات الزهور أمام الحانوت بكل اهتمام. تقدم نحوها بضع خطوات ثم مد يده ولامسها وانحنى فاشتم عبقها، علت وجهه علامات الرضا فدخل الحانوت وكأنه يهم تنفيذ خطة أعدها طويلا… شراء باقة ورد لأمه بما تمكن من ادخار من مصروفه اليومي الخاص.  مرت بضع ثوان وإذا بالصبي يخرج من الحانوت خالي اليدين وخيبة الأمل تكسو ملامحه. نظر إلى باقات الورد من جديد ودار حولها ثم وقف على في الجانب المقابل، انحنى مجددا واشتم عطرها، ثم استدار ليغادر المكان بخطى ثقيلة.

1

أثارني حال الصبي، وأنا ارقبه من داخل سيارتي في انتظار خروج ابنتي من الحانوت. ناديت الصبي، وحين اقترب مني سألته: هل أعجبتك باقات الورد؟ فقال نعم.. نعم. فقلت: ولم لا تشتري لأمك إحداها؟ قال وغصة في حلقه تخنقه وتلمع في عينيه: كل ما جمعته من نقود خلال الأسبوع لا يكفي لباقة ورد… سأبحث عن باقة في حانوت آخر.

ابتلعت انفعالي من وفاء هذا الصبي لوالدته ومن حرمانه لأجل توفير النقود وبالتالي عجزه عن شراء ما أراد لأمه، عبارة الصبي تخنقه… وبدا كمن يكابر عزة نفسه ما بين رغبته وعجزه. خشيت أن ابدي التعاطف لئلا ينفجر الصبي باكيا. ترجلت من السيارة وتناولت باقة الورد، وناولته اياها وقلت: ابلغ سلامي لوالدك وبارك لوالدتك عيدها، وهات ما معك من نقود وأنا سأتولى دفع ثمن الباقة.

انفرجت أسارير الصبي للمخرج من المأزق، وقال لا أريد هذه الباقة بالذات، هي تلك التي أردتها. وأشار إلى باقة يطغى عليها القرنفل الأحمر، فقلت: حسنا ليكن ما تشاء. ناولني النقود وحمل الباقة وانصرف بخطى واسعة معتزا بتحقيق ما أراد.

دخلت الحانوت معاتبا صاحبه على غلاء أسعار الورد في مثل هذا اليوم بالذات، فبرر ذلك بأن المسئول هو من يزوده بها والذي يستغل هذه المناسبة لرفع الأسعار لعلمه بأن لا أحد يبخل بالغالي والنفيس على أمه.

أيعقل أن تكون باقة الورد في هذا اليوم بالذات بهذه الاسعار؟ قد يقول البعض وهل نبخل على أمهاتنا بباقة ورد مهما كان ثمنها؟ بالطبع “لا”، ولكن هذه النقود لا تذهب إلى الأم، وإنما ندفعها ضريبة استغلال يفرضها علينا بعض الباعة الجشعين.

كل عام وأنت بخير يا ست الحبايب أينما كنت وأي كان اسمك !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *