3كلمة حرة

أرق ليــلة – هواجس. بقلم: فاروق مواسي

طلب مني زميل متأدب وباحث أن أجعل للقصة حظًا أوفر في كتابتي، فقال: أنت شاعر وناقد وقاصّ أيضًا، ومن حقي أن أقول إنني أحب قصتك أكثر.

ثم إنه أتى بفكرة لم تكن تخطر على بالي، فقال: يزعم الكثيرون أن الأديب لا يستطيع أن يحمل بطيختين بيد واحدة، ولكنك تستطيع أن تحمل أربعة؟

قلت له: كيف؟
قال: تجعلها في كيس وتربطها معًا، فأنت تحمل النص، بألوانه، ولا ضير عليك، ولا غضاضة!

فإلى الصديق الحصيف أقدم قصتي اليوم وهي بروح كافكاوية. كنت نشرتها في مجموعتي “أمام المرآة وقصص أخرى”، نابلس: دار الفاروق- 1995، ص 27-33.

أرق ليلة – هواجس

كثيرًا ما يستبد بي الأرق، وأجد نفسي أتقلب على الفراش، وأحيانًا بدون سبب (بطر).
وفي بعض الليالي لا أنام مطلقًا، ولا يغمض لي جفن كالسمك في البحر.
ترى هل ذلك من علامات الكبر؟ ضعف الدم؟ تعويض عن الحياة التي تتناقض كمًّا، فتعوضني باليقظة؟

اشتريت جهازًا خاصًا لتسجيل الهواجس، ابتدعته التكنولوجيا التي تطلع علينا بكل جديد. وهذا الجهاز يلتقط ما ينتاب الإنسان من خيالات، ويترجم بلغته الخاصة من رمز إلى لغة.
فتحت الجهاز في صباح يوم فإذا فيه:

……

قال صقر السلايمة لزوجته: اطمئني، بعد قليل سأعود! مجرد استفسار من قبل الضابط. نظرت في عينيه، وجدتهما تشعان هدوءًا وطمأنينة.
دخل خمسة مسلحين، صافحه أحدهم بحرارة، وقال له: من فضلك! مجرد استفسار، رافقنا إلى المركز!
شدوا غطاء على وجهه، ويا خماس خذ خمسك، أشبعوه لكمات. وجهه تورم. انتفخت عيناه. ثلاثة أيام في زنزانة معتمة مشبعة بالروائح الكريهة … انتظار للفرج…
ثم فُتح باب الزنزانة، وقال له جندي، (سليخا لو أتا)- ” نأسف. لست أنت المطلوب” .
– كم حادثة انتهت بهذه اللفظه ( سليخا )؟

ابن عمي يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن صرصارًا كبيرًا على قدمه.
يرفس ابن عمي ويحرك رجله ليطرد الصرصار، تساعده قدمه الأخرى أحيانًا. يهدأ لحظات، ثم ما يلبث بعد دقائق أن يعود سيرته الأولى.
– الصرصار!
– اقتله!
– لا أستطيع، لا أستطيع.
والصرصار يكبر كل يوم.

ماياكوفسكي أدان بصورة لاذعة زميله الشاعر بوشكين لأنه انتحر، فالمجتمع بحاجة إلى غرس التفاؤل والبناء والإنتاج والبسمات والحياة والفرح، ففي هذه الحياة ليس صعبًا أن تموت، وإنما أن تصوغ الحياة فهو أصعب بما لا يقاس.
وبعد خمس سنين انتحر هو ، وكتب قبل ذلك:
“لم يكن هناك أي شيء آخر، كان بوسعي أن أفعله. تحياتي”.

-“قبل سنة من انتحار خليل حاوي شتم هو الأدباء والشعراء المجتمعين في “المربد”، شتمهم أقذع الشتائم.
– هل يستحق العالم العربي كله انتحاره وليس موته”.

صوت ريح، مواء قطة. هل يمكن أن يكون لصًا مقنعًا؟
كيف سأقاوم؟

الصرصار على قدم ابن عمي صار أكبر. تنفس عميق. قالوا: في التنفس العميق يمكن أن ينام الإنسان. قراءة سور قصيرة. قالوا: إذا كررت سورة ثلاث مرات فستروح في إغفاءة عميقة وجميلة. هدوء!
قالوا: هدئ أعصابك! استرخ استرخاء كاملاً وبعدها ستنام.
ولكن ، لماذا ينام الإنسان نومًا أبديًا / لماذا يموت؟
يداهمنا الموت وتتنوع أسبابه حتى بدون مرض .
السرطان بسرعة يأتي، وبسرعة يمضي بأعزائنا (راحت عليك يا فلان)،
السكتة/ الجلطة؟
الشلل (راحت عليك يا علان)،
حوادث الطرق يوميًا فأنت مسؤول عن سيارتك، ويجب أن تتخيل أن الذي قبالتك هو مجنون أو سكران فقد السيطرة (ولو، يا دكتور في يوم عيد ميلادك!)

ثلاثة أيام في الزنزانة نهايتها (سليخا).
الصرصار صار أكبر، وابن عمي يصيح: “الصرصار الصرصار!”، ونحن نقول له: ليس هناك صرصار، اهدأ!”

أذن الفجر، ولأول مرة استلطفت صوت مؤذن الحيّ، فكان رخيمًا مأنوسًا.
كدت أذهب للصلاة وقبل موعد إقامتها.
صَحَت زوجتي فزعة:
– ما لك يا ستار؟
– بسم الله الرحمن الرحيم!
– تحلمين؟
– ” كنت في القدس، سائرة في شارع صلاح الدين، وكان أحد المستوطنين يسير بعصبية، وهو يحمل سكينًا كبيرة – سكين جزار .
– اختارني وقال لي: تعالي! أي شريان سأقطع لك؟ اختاري؟”!
– لماذا؟ أنا لا أكره اليهود. أنا من “عربكم”.
– لا يهم. اختاري من أين سأذبحك؟
– زُرنا في بلدنا! سأريك صورًا لي مع نافون وزوجته فيرا. حرام عليك!
– لا يهم، اختاري من أين أبدأ (كان يصك أسنانه)، وكان بالقرب منه شخص اَخر هادئ يحمل سلاحًا. قلت: لا بد من سرقة سلاحه.
سرقت السلاح وصحوت ………. الحمد لله. الحمد لله! اسقني ماء! “

كان الصرصار على قدم ابن عمي يكبر ..

خليل حاوي يضحك ..

صقر السلايمة يردد كلمة (سليخا) بمعنى وبدون معنى.

زوجتي تحمل السلاح.

وصوت ريح. ومواء قطة. هل يمكن أن يكون لصًا مقنعًا؟

سآخذ ما انتزعته زوجتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *