انتهت الانتخابات، ماذا بعدها؟ا – بقلم: نبيل عودة

في مساء يوم الانتخابات غيرت موقفي وقررت ان أصوت. امتنعت في الأسبوعين الأخيرين قبل الانتخابات عن الكتابة حتى لا اتهم بفقدان الوطنية  من الذين صارت مصالحهم الشخصية فوق أي مصلحة وطنية.

رؤيتي كانت وما زالت ان الحزب الشيوعي وجبهته الديمقراطية هما أفضل ممثلين  سياسيا  لمصالح الجماهير العربية. لا انفي أي دور لأي فئة سياسية أخرى، أحترم نشاط كل البرلمانيين العرب ، غير اني لا ارى ان أحزابنا العربية، بما فيها الجبهة..  قادرة ان تشكل طليعة نضالية للجماهير العربية بعد أن أضحت مجرد قوائم انتخابية نلمس وجودها مع بداية كل نشاط انتخابي ، بفقدانها الواضح لأي نشاط تثقيفي سياسي او فكري او حتى ثقافي عام، بإعلام لا يتعدى مستوى النشرات الحزبية الداخلية  ويشبه دعايات تسويق البضائع التي اقترب زمن استعمالها من الإنتهاء  وبغياب رؤية مستقبلية متكاملة تشكل محورا لنشاطها. هذا الواقع يشكل  انعكاسا لتراجعها الحاد عن مواجهة التحديات وبالأساس  فقدان دورها كقائدة لمجتمع مدني له مطالبه ويعاني من اشكاليات لا تعد ولا تحصى،  برامجها او أجندتها صارت مجرد حبر اسود على ورق ابيض  واذا طرحت موقفا سياسيا بعد كل صحوة تبقى ضمن رؤية عامة  صحيحة ولكن لا ترجمة نضالية للموقف. لا انفي مصداقية الطرح السياسي انما ليس بالثرثرة تحقق المطالب، او كما قال المسيح:”ليس بالخبز وحده يحيا الانسان”.!!

هناك خلل واضح بين النضال البرلماني من جهة وتفعيل الكوادر الحزبية من جهة أخرى. غياب التثقيف السياسي والفكري يولد حالة التفكك السياسي والوطني وضحالة المعرفة والوعي في اوساط ناشئة التي نعاني منها وهو المركب الحاسم في الأزمة الحزبية الفكرية والتنظيمية لكل الأحزاب العربية. بعد اغلاق صناديق الإقتراع يبدأ موسم البيات، يصبح عضو الكنيست هو الحزب، هو الناطق، المتحدث والمقرر. هل صار البرلمان هو الساحة النضالية الوحيدة؟ الاحظ منذ فترة طويلة جدا نزع الثقة من كوادر طليعية بقيادات أحزابها والانسحاب المتواصل من عضوية الأحزاب وغياب وجوه جديدة تعطي دما جديدا للحياة الحزبية.

اسجل ذلك من رؤيتي ان الحزب ليس مجرد تنظيما سياسيا، هو تنظيم مجتمع مدني ومهماته المدنية الاجتماعية لا تقل اهمية وخطورة عن قضايا السياسة والإقتصاد وسائر المطالب التي لا قيام لمجتمع مدني متطور بدونها.

طبعا لا انتظر ان يشرحوا لي انهم يعانون من التحريض والعزلة في نشاطهم البرلماني وان نشاطهم يجري في ظروف قاسية ورغم ذلك يحققون انجازات عديدة. ما يقلقني أكثر هو غيابهم عن مجتمعهم المدني، تحول الأحزاب من تنظيمات مدنية تثقف وتنظم مجتمعها وتقود نضاله الى تنظيمات تمجيد للأفراد وشخصنة الحياة الحزبية وظاهرة الضحالة السياسية التي تتسع والفقر الفكري والسياسي والتقوقع في إطار مقولات عفا عنها الزمن هي وجه آخر لأزمة الحياة الحزبية والأزمة السياسية العامة التي يعاني منها مجتمعنا.

الا تعكس المقاطعة الواسعة للانتخابات هذه الحقيقة الأولية؟ هل يعلم قادة الأحزاب ان نسبة كبيرة من مقاطعي الانتخابات هم مثقفون واكاديميون ونشطاء اجتماعيون بمستوى وعي مرتفع جدا؟

بعض الفروع الحزبية  واعني فروعا كبيرة ومركزية أيضا، تحولت الى مجرد مكاتب وتلفونات بغياب أي نشاط لا علاقة له بتركيب القوائم والانتخابات.

كنت ارى المهمة الأساسية بتثوير الجماهير ودفعها للمشاركة بالتصويت، بغض النظر اذا صوتت لهذا الفريق او ذاك من القوائم العربية.  رأيت ان الوقت لا يتسع لمثل هذا النشاط الذي يحتاج عملا متواصلا تثقيفيا واعلاميا كل يوم وكل ساعة وليس عشية انتخابات بحيث يبدو كلام انتخابات ينتهي معها. أهملت المهمة حين كان الواجب ملحا  ولن يتغير الحال في شهر الانتخابات، هذه مهمة حياة او موت للحياة الحزبية، اسقاطاتها هامة ومؤثرة على مستقبل الجماهير العربية ونضالها من أجل حقوقها القومية وغير القومية.  قد نواجه انتخابات جديدة قريبا كما هي التوقعات الكثيرة، سنجد انفسنا نعود لنفس الشعارات والإقتراحات التوحيدية وكأن مشكلتنا في اقامة قائمة عربية واحدة، ان الوحدة مستحيلة ومضرة بالتأكيد ، واحد زائد واحد ليس شرطا اثنان او أكثر ، بل اثنان ناقص ، ربما وحدة في قائمتين ، مع ذلك مشكلتنا ليست في الوحدة الانتخابية، او “الوحدة الموسمية” كما يسميها البعض لأنها لا تطرح الا عشية كل انتخابات، الوحدة تبدو مستحيلة ضمن التركيبة الفكرية والطبقية السائدة، قد تكون وحدة اليسار العربي ( الجبهة والى حد ما التجمع) مع اليسار اليهودي (ميرتس مثلا) خطوة تستحق الدراسة الجادة، لا اقول انها ممكنة ومقبولة. ان مشكلتنا الأصعب تنحصر جوهريا في النشاط  المتواصل السياسي، التثقيفي ،التنويري والإعلامي داخل مجتمعنا. صحيح ان هناك بعض النشاطات في المراكز الثقافية لكنها غير كافية وضيقة ، معظمها ينحصر بعدد صغير محدد سلفا من المدعوين، لأن المسؤول الثقافي المحسوب على القوة المسيطرة في سلطة الحكم المحلي قصير النظر ومحدود الآفاق وليس على الأغلب بالشخص المناسب، يتجاهل بوضوح يبدو مبرمجا لأوساط واسعة جدا، للشباب عامة ، خاصة الطلاب الجامعيين والثانويين، ولنشطاء ثقافيين تحديدا. ثم يشكون ان المثقفين على وجه الخصوص ، يتحاملون على القيادات البلدية والسياسية ، واعرف ان نسبة كبيرة منهم قاطعت الانتخابات، من رؤيتهم ان شخصنة الأحزاب تحررهم من مسؤولية التصويت لأنها نفي للأجندة الفكرية  التنويرية والسياسية التي اعتادوا التصويت لها. اعترف ان هذه الإشكاليات كانت وراء قراري ان لا أكتب، الذي نفذته وان لا أصوت، الذي نقضته.

ان اضمحلال الدور التثقيفي للأحزاب هو مشكلتها الكبرى، كان الحزب الشيوعي مدرسة تثقيفية تربوية واسعة النشاط، اليوم فقدت الأحزاب حتى الصلة مع كوادرها الانتخابية  ونواجه اليوم بوضوح أزمة الحياة الحزبية في مجتمعنا. لم ننجح بتطوير خطاب سياسي للتعامل مع المجتمع اليهودي ، الى حد ما للجبهة خطابها المتقدم نسبيا ولكنه خطاب يوجهه يهودي لليهود، خطاب هام ومؤثر، لكنه غير كاف ، يجب تطوير خطاب عربي في مواجهة الخطاب اليميني والفاشي اليهودي، ليس ردا على التطرف بتطرف، انما بطرح عقلاني قادر على التأثير على اليهود العقلانيين وتحريرهم من وهم العدو العربي ، تحريرهم من وهم ان الاحتلال ضمانة للأمن واثبتت الانتخابات الأخيرة انهم قوة تشمل نصف المجتمع اليهودي على الأقل.

مقاييس الأحزاب اليهودية الصهيونية لا تخصنا، نحن اقلية قومية غير معترف بنا الا كطوائف، نواجه سياسية تمييزية هي في جذور الفكر السياسي الصهيوني للدولة. التمييز يشمل كل القضايا الحياتية الملحة لمجتمعنا بدءا من أخطرها واهمها، قضية الأراضي والتنظيم، حيث نواجه تنامي الاحتياجات للمواطنين العرب الذين تضاعف عددهم (6) مرات منذ العام (1948) مقابل تقليص  في مساحة الأرض بسبب المصادرة وضم أراض  عربية كثيرة لمجالس يهودية وتضييق الخناق على الأراضي التابعة للسلطات المحلية العربية، إضافة إلى فرض قوانين تنظيم تزيد الحصار السكاني على المواطنين العرب، التمييز واضح بقوة في سلطة الأراضي وقوانين التنظيم وبكل أجهزة الدولة السياسية والقضائية . المحكمة العليا في قضية “عادل قعدان ضد كتسير”   اشارت الى التمييز بوضوح حين كتبت في قرارها:” ان نتائج سياسة التفريق (القصد بين العرب واليهود)المعمول بها اليوم، هي تمييزية”.

اسجل هذه القضية بكونها من أخطر القضايا التي تواجهها الأقلية العربية. العرب يشكلون (20%) من السكان، يملكون (3.5%) من الأرض (والمصادرة تلاحقنا)، مساحة الأراضي ضمن السلطات المحلية العربية لا تزيد عن(2.5%) أي ان ثلث الأراضي العربية تخضع لمجالس يهودية. تخصيص اراض لاحتياجات الجمهور العربي هي ما دون الحد الأدنى القطري،  يمنع العرب من تملك اراض  بما يزيد عن (80%) من اراضي الدولة والتي تدار من شركة اراضي اسرائيل . الم يحن الوقت لتحويل سياسة الأرض من سياسة “ارض يهودية لليهود فقط”، الى سياسة “ارض اسرائيلية” تخص كل المواطنين بما فيهم العرب؟

ألا تستحق مثل هذه القضية النموذجية معارك شعبية وقضائية (عدا طرحها في الكنيست التي لن تقود إلى أي تغيير في قوانين الأرض المجحفة بسبب الأكثرية التقليدية المعادية للعرب). الم تبرز إمكانية قانونية لمعركة شعبية وقضائية نطرح ونفضح عبرها إحدى أخطر قوانين التمييز العنصري  أمام المجتمع اليهودي والمجتمع الدولي؟ لا اقول اننا سننجح بتغيير قانون عنصري من أخطر القوانين العنصرية، لكننا سنفضح سياسة الأبرتهايد الإسرائيلية التي تمارس تحت صيغ ديمقراطية  وحقوق مواطن يروجها اعلام اسرائيلي رسمي مبرمج شديد الذكاء ويعرف كيف يسوق اكاذيبه.

لماذا تخلو أجندة أحزابنا (اذا بقي ما يمكن تسميته أحزابا)من سائر القضايا الملحة؟ مثلا مشاكل الإسكان، الخدمات للمواطنين، التعليم، العمل، الرفاه والتطوير الاقتصادي، ميزانيات السلطات المحلية العربية التي تعاني من ضعف اقتصادي وتمييز في المخصصات المالية، تطوير مبادرات اقتصادية  لا بد ان يكون للحكومة دور كبير فيها، تساعد على نمو الإمكانيات المالية للمجتمع العربي وسلطاته المحلية ، أسوة بما هو الحال في الوسط اليهودي.

هناك قضايا ملحة كثيرة… يُخيل لي إننا نواجه المجهول بما وصلناه في السنوات الأخيرة من تدني مستوى الوعي العام لواقعنا السياسي  وحقوقنا العامة كمواطنين ننتمي لأقلية قومية مضطهدة ومميز ضدها. قبل شهرين في محاضرة لي أمام مجموعة شباب عرب تفاجأت ان عام  (1948) لا يعني لهم شيئا خاصا، وبعض من أجابوا بأنه كانت “نكبة” لم يدلوا  بما يوضح أبعاد هذه النكبة ونتائجها وبماذا تخصهم. ألا نساهم بتجاهلنا لهذا الجهل بتاريخ شعبنا المأساوي في تنمية العدمية القومية التي تشكل إحدى أجندة السلطة الصهيونية؟!

 هل بهذا المستوى من الجهل السياسي والوطني  ننتظر إحداث نقلة نوعية في مجتمعنا وسياستنا ومضاعفة عدد المصوتين للأحزاب العربية؟ اليس من العار ان الأحزاب الصهيونية اليمينية المتطرفة تحصل على نسبة اصوات كبيرة من المصوتين العرب الذين لا يقاطعون الانتخابات ، البعض يقدرها بثلث الأصوات (اي 3 – 4 نواب في الكنيست؟)

حين اقول الشخصانية تسود أحزابنا ، اعني ان الموقع الشخصي ( والفائدة الشخصية) باتت أهم من الوحدة الوطنية ومن أي برنامج نضالي مرهق ومكلف!!

لبيد ينتحر سياسيا

الانتخابات الأخيرة كانت نزعا للثقة من رئيس الحكومة بيبي نتنياهو. يائير لبيد (قائمة يش عتيد – يوجد مستقبل) انجز نجاحا في اطار نزع الثقة  من رئيس الحكومة وسياساته ، الاجتماعية، الإقتصادية والأمنية وتحوله الى حامل لواء الاستيطان العنصري في الأراضي الفلسطينية وعرقلته لأي إمكانية لحل سلمي مع الشعب الفلسطيني.

ليس سرا النقد الحاد والقاسي الذي وجهه الرئيس الأمريكي اوباما لسياسة نتنياهو ونشر قبل الانتخابات بتوقيت يبدو منسقا ومقصودا، الى جانب الانتقاد الذي وجهه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس لرئيس الحكومة نتنياهو  الذي يكرر  أن محمود عباس ليس شريكا في العملية السلمية بتأكيد من بيرس، أشبه بالصفعة السياسية،  أن عباس رجل سلام وشريك حقيقي للوصول الى سلام وحل دولتين ، كذلك ما قامت به الصحافة الإسرائيلية وعلى رأسها “هآرتس” من دور طليعي في فضح سياسات نتنياهو المغامرة.

ان رفض لبيد ان يشكل كتلة مانعة مع أحزاب العمل والحركة وكاديما وميرتس والاحزاب العربية ، هو بوضوح رفض إسقاط رئيس الحكومة نتنياهو الذي فقد ثلث قوته البرلمانية بأكبر نزع للثقة تعرفه الانتخابات الإسرائيلية، لبيد يمد له خشبة إنقاذ بتبجحه انه لن يقيم كتلة مانعة مع حنين  زعبي، هذا يعني انه سينضم  الى ائتلاف عنصري  يميني مع منزوعي الثقة من اليمن الفاشي والعنصري في إسرائيل وهم: البيت اليهودي ،يسرائيل بيتينو بقيادة المستوطن ليبرمان ،الليكود  الذي اسقط العقلانيين نسبيا من تركيبته الانتخابية ( ما يعرفون بامراء الليكود) وثبت مكانهم مستوطنين فاشيين واليمين الديني المتطرف وغيرهم،  يعني ان ما يهم لبيد هو الحصول على منصب وزاري، لن يكون لبيد مقررا  في سياسة الحكومة، أي ان برنامجه الانتخابي كان ثرثرة وثقة الجمهور الذي يمثل تيار الوسط – يسار في المجتمع الإسرائيلي لم يكن لبيد عنوانا صحيحا لها.

نزع الثقة بنتياهو لا يغطى بموقف  صبياني من حنين زعبي، التي تمثل تيارا ضمن مجموعة سياسية واسعة معظمها قوى يهودية ترى خطر سياسات نتنياهو على مستقبل إسرائيل وعلى السلام في الشرق الأوسط. الوسط واليسار في إسرائيل الذين نجحوا بصد انطلاقة نتنياهو المغامرة شكلت حركة لبيد جزءا هاما منها. ارتباطه بنتنياهو سيقود حركته الى نفس مصير حركات سابقة أنجزت ما أنجزه لبيد اليوم، ومنها “الحركة الديمقراطية للتغيير” ( داش) ثم حركة شينوي ( التغيير) التي أقامها والده، وتفككت الحركتان بعد نجاحهما الكبير في انتخابات الكنيست والدخول الى ائتلافات يمينية، هي نفس الأسباب التي تدفع  اليوم لبيد لمعانقة نتنياهو وقوى اليمين المتطرف وإعطائهم  أوكسجين لمواصلة مغامراتهم السياسية، رغم نزع الثقة الشعبي الواضح بسياستهم.

لا اختلف مع المعلقين الذين يتوقعون انتخابات جديدة قريبا. وارى ان لبيد وضع قدمه وحركته السياسيةعلى طريق الإضمحلال.

nabbiloudeh@gmail.com

Exit mobile version