خاشقجي: مصيدة تركية اوقعت السعودية – بقلم: ناضل حسنين

هناك من يرى قضية خاشقجي برمتها على انها مؤامرة منذ البداية وحتى النهاية الهدف منها مساعدة تركيا على الخروج من مأزق علاقاتها مع الولايات المتحدة.


انا لا أؤمن بنظرية المؤامرة في أيامنا، ولكن ثمة جوانب من هذه القضية تستحق التوقف والتفكير، لأنها تبدو في غاية الغرابة، وسأحاول هنا عرضها كما اراها:

أولا: صديقة الصحافي المفقود، او كما قيل خطيبته، التي ظهرت فجأة وتدعى “خديجة”، غريبة الاطوار. وهناك من يقول انها تعمل لصالح المخابرات التركية لأنها حين تأخر “خطيبها” داخل السفارة، اجرت اتصالات هاتفية مع كبار مسؤولي الدولة التركية وليس مع الشرطة المجاورة، وهذا دليل على انها ليست مواطنة عادية.

ثانيا: جمال خاشقجي مكث في تركيا أسبوعين بعد وصوله من الولايات المتحدة قبل توجهه الى القنصلية، ومعه في اسطنبول ابنه البكر من زواجه السابق. الابن لم يسمع بالسيدة خديجة ولم يكن على علم بوجودها او بأن اباه يعد العدة للزواج منها والاستقرار في تركيا.

ثالثا: الساعة الذكية على معصم الفقيد خاشقجي وهي من صنع شركة “آبل” تتصل بالهاتف الذكي بواسطة تقنية البلوتوث، وهذه التقنية لها مجال محدد لا يتعدى مسافة 15 مترا في أحسن الحالات حين تكون هذه المسافة بين الهاتف والساعة بدون حواجز. أما ان يتجول الفقيد في السفارة وساعة آبل على معصمه فهذا ادعاء قد يردده شخص لا يعرف هذه التقنية ولم يدخل سفارة عربية في حياته. ففي مدخل كل سفارة صندوق امانات تترك فيه كل ما لا ضرورة به مثل هاتف وساعة وحزام وحتى الجاكيت وعلبة السجائر والولاعة والقلم. حتى انه في بعض الحالات يدخل المراجع الى سفارة بلاده حافيا إذا كان حذاؤه مثيرا للشكوك.

رابعا: الادعاء التركي بأن ساعة خاشقجي التقطت الصور ورصدت مكالمات داخل القنصلية هو هراء. واعتقد ان هذا الادعاء جاء ليغطي على التنصت التركي على القنصلية السعودية بواسطة المعدات الالكترونية المزروعة في أروقة القنصلية والتي تبث للمخابرات التركية ما يجري في الداخل.

خامسا: خاشقجي كان الطعم الذي رماه اردوغان امام السعودية، حليفة أمريكا، و”الدب الداشر” لم يتردد في التقاطه والوقوع في حبائله. تورط السعودية في هذه القضية وإصرار تركيا على الكشف عن هذا التورط بتفاصيل مهينة للسعودية، دفع ترامب الى التلويح بعقوبات ضد السعودية في حال ثبت تورطها رسميا، وكان هذا التصريح خطأ فادحا ارتكبه الرئيس الأمريكي، لأنه يعلم جيدا انه ليس من مصلحة بلاده التخلي عن السعودية بعد ان وقع معها على اتفاقات بمئات مليارات الدولات لشراء الأسلحة. وفي حال فرض عقوبات على السعودية فإن السعودية، علاوة على إحداث القلاقل في اسواق النفط العالمية، فإنها سترد بإلغاء صفقات الاسلحة مع واشنطن او جزءاً منها وستتوجه بهذه الاموال الطائلة فورا لشراء الاسلحة من روسيا او من الصين، وستخسر الولايات المتحدة عشرات بل ومئات آلاف اماكن العمل.

سادسا: في هذه اللحظة بالذات أفرجت تركيا عن القس الأمريكي الذي تسبب اعتقاله شكليا بالأزمة بين ترامب واردوغان، وكأن تركيا تقول “ها هي دلالة على حسن نوايانا وهي خطوة نحو المصالحة”… في انتظار ان تتلقف واشنطن الكرة وتبدي استعدادها بتخفيف الإجراءات عن الاقتصاد التركي لكي ترد تركيا بعد ذلك بتخفيف الضغط على السعودية وتلافي الكشف المهين عن فضيحتها حتى النهاية وإظهار تورطها الرسمي بجريمة قتل الصحافي وعندها ارغام ترامب على فرض العقوبات التي لوح بها على السعودية وبالتالي انهيار صفقات الأسلحة الضخمة.
هذه هي الصورة التي يراها بعض المتابعين لهذا الحدث الذي شغل كل وسائل الاعلام في العالم، وقد تكون له تداعيات أوسع بكثير من مجرد جريمة تصفية لمعارض سعودي.

من المؤشرات التي قد تدل على مدى صحة هذا السيناريو، ان تكتفي تركيا بما قد تدعيه السعودية الآن ان القنصل السعودي في إسطنبول وليد الخريجي، هو من قرر التصرف مع خاشقجي بمبادرة ذاتية دون اللجوء الى القصر الملكي. وهو بذلك يصبح كبش فداء لإنقاذ ولي العهد السعودي من مأزق هذه الفضيحة. ولهذا ليس من الغريب ان القنصل ممنوع من الخروج من بيته منذ مطلع الشهر الجاري ومحظور عليه الادلاء بأي تصريحات، مع ان ثمة انباء تقول انه طلب من السلطات التركية منحه حق اللجوء السياسي بعد ان استشعر بأنه سيكون كبش فداء كل هذه الفضيحة.

الغريب في الامر ان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لم ينبس ببنت شفة منذ بداية الشهر الجاري أي منذ وقوع هذه الواقعة التي ورطت بلاده… اليوم أو غدا ستتضح كافة خيوط القضية وستكتمل عناصر الصورة لمن يستطيع تركيها.

Exit mobile version