إنّي لأجد ريح جدّي.. في سنغافورة!، رثاء من الحفيدة المربية ضحى حاج يحيى

في وداع الجد مصطفى خديجة حاج يحيى، رثاء من حفيدته المربية ضحى حاج يحيى من سنغافورة، ” إني لأجد ريح جدي.. في.. سنغافورة!”

قَبّلْتُ جَبينكَ قبل سفري..
رمقتني إذاك بنظرة أصابت تلك الطفلة البريئة فيّ بالقشعريرة، وأثارت في ذلك الطفل الحزين في داخلك البكاء..

وَقبَّلْتُ جَبينَكَ كأَنَّما أُعانِقُ كُلَّ ذكرياتِنا معًا.

فوق جِذْعِ التينَةِ، هُناكَ، بَنَيْتَ لي سُلَّمًا، وفي ظِلِّها نسَّقْتَ لي من أقلامِ الزيتون وحطب الموقدِ بَيْتَ شَجَرةٍ، زَيَّنْتَهُ لي بكلتا يديك بأكاليل الزيتون وبعضٍ من ياسمينات الحاكورة..

وتَرَكْتَ الترابَ بلا أغطية!

أذكر تمامًا تنقّل كفَّيْكَ فوقَ التراب، تزيل بعض َالقشِّ بَعْثَرَتْهُ الدجاجات في صحن الدّار، وتمشّط بهدوء عميقٍ أرضية هذا الركن العتيق..

لم أذكر أنَّكَ كنتَ على عجلة من أمرك يومًا، كنتَ سَكوتًا كثيرَ التأمُّلِ والسَّيَران..

وفي سَهوَتِكَ العميقة المتأمِّلَةِ لسماء آب الصّافية ذلك الصّباح، كانت تتساقَطُ بضعُ حَبّاتٍ من التين الناضج وتختلط رائحتها بعطر الياسمين ..

كنتُ ألتقطها بلهفةٍ تتبعها تنهيدةٌ عميقةٌ، وأتساءل لمَ اعتنيتَ بأدقِّ التفاصيلِ بتثبيتِ الجُدرانِ وتزيينها، وتركتَ الأرض بلا فراش؟

قَدِمَتْ ” ستّي إم صالح” – وكانت تحتفظ بذلك المفتاح، علّقته في سِلسِلةٍ فضيّة رفيعة على صدرها- توميء إليّ بوضع ما لَمْلَمْتُهُ من حبّاتِ التين في وعاءٍ نحاسيّ عتيق، وضعَتُْ لاحقا على الطبليّة بعدما غَطَّتِ التّينَ بالقشطة وخيوطِ العسل الشهيّ، وَدَعَتْنا للانضمام إلَيْها. في حضنك كنت تجلسني وتُلَقِّمُني الفطيرَ بالسّكّر، المفضلَ لديك.. كانت رائحة الفطير الخارج للتو من الطابون تغري العصافيرَ كلّ مرّةٍ بالانضمام إلينا.. وكانت تحظى بالكثير ..

كانت أختي الكبرى في صباحات الجمعة تلبسني ذلك الفستان الأبيض وتسرّح شعري بدقة واتقان، كنتَ تطلب أن أبكر في المجيء فيوصلني جهاد اليكم قبل انضمام البقية للغداء.. أذكر أنك كنت تشتم رقبتي المعطّرة وتبتهج لذلك فتتلقفني كلعبة وتدور بي فرحًا وكانت ضحكاتي تصل إلى مسامع أخوالي فيتركون كتبهم وينضمون إلى الاحتفال، وأذكر العم صالح – رحمه الله- كيف كان يطلّ من وراء السّور ويتساءل عن سبب هذا الضجيج الاحتفاليّ فتخبره ان ضحى الصغيرة هنا، ويقول بحب وابتهاج: ” محّدا قدّها إم عينين اللوز”!

لا يزال دفء القبلة التي كنت تطبعها على يدي فور الاستقبال يرافقني، ولا انسى انك كنت تزيل رباط شعري وتسرح شعري بمشط اصابعك وترافقني إلى الحاكورة في بيتنا الخشبيّ ذلك؛ تسرد القِصَص وتروي الحَكايا
في أزقّة شغفي وميادين الأحلام..

وكبُرْتُ ورافقتني هذه العادة إلى ان انتقلنا إلى البيت “الجديد”، وودعنا تراب أساطيرنا معًا..

كثيرًا من شاي الذكريات بالنعناع احتسينا معًا تلك الصّباحات..

وكثيرًا من اللّمّات جمعتنا في كوخ أكبَرَ لاحقًا في السَّهلِ الغربيّ، وقليلًا منه ارتشفنا في سنيّك الأخيرة..

نزلتَ في بئر الموت مرّتَيْنِ في حياتك وَعُدْتَ منتصِرًا..

وفي المرة الثالثة صَمَتَّ طويلًا وهَزَمْتَ فنونَ الصَّبرِ فينا ليس قبل أن تزرع فينا الطّموح وحب الحياة.

في الأمس ، حدّثتني والدتني، أنّ جسدك احتبس ما يكفي من الماء ولم يعد يحتمل الانتظار ..

في اللّيل حدّثتني ثانيةً ..

قالت هو الوجع يجرح الدعوات.

واستيقظْتُ.. لتقولَ لي أحتفظَ بذلك المفتاح

وأن أدعو عصافير الصباح

لمراسم تشييعك إلى مثواك الأخير هناك .. على التراب الذي سرّحتَهُ ذاك الصباح ..

تحت تلك الشجرة حيث تركْتَ ما يكفي من الحكايات وحبوب القمح وأطلال الذكريات ليكبر الإنسان فينا.

جدّي الحبيب..

أودعك من بعيد دون أن اتمكن من استنشاق عطرك هذه المرة ..

بقلب مؤمن مذهول، وجِفنٍ راعِشٍ مبلول

سأعانق شيئًا من رائحة الغياب

في كلّ نسمة زكيّة نثرتَها حولك..

بعد قليل.. أمي وجدتي ستجلسان إلى جانبك ويتلوان على مقربة منك بضع الآيات – كما فعلتا عندما فارقتنا ستي ام صالح على بساط عقدها العريق منذ سنوات- فلترقد بسلام .. ولتنعم بلقائها وتوصلها الحنين..

جدي الحبيب..
قد عرفْتَ الطّريق ..
وقد قبلنا القضاء
ونرفع أيدينا رِضًا ودُعاء

في الغد سنمسح دموعَنا وسأعود..
سأعود لأحتفظ بزجاجةٍ من عِطْرِكَ
وسأجلس، حيث كنّا معًا، ولعبنا وحلمنا معًا
سأجلس مع خالي الأكبر .. والأغلى
لنروي ترابك
ونجمعُ قوى الحبّ
نغلّف فيها ذلك المفتاح وما يكتنفه من أسرار الحياة

لروحك السلام

Exit mobile version