“وكالة من غير بواب لعبت فيها الأغراب” بقلم: فالح حبيب

عدت إلى مركبتي بعد دقائق معدودات من دخولي إلى المكتبة لاقتناء بعض الكتب والمراجع، وصديقي “مراقب” لا يزال يطارده في نظراته ملاحقا إياه، مواكبا، متتبعا خطواته، يميل يمينا ويسارا، عاملا المستحيل من أجل أن لا يغيب عن عينيه برهة، فالمُلاحق بالنظرات مشبوه ومنه متوقع صنع كل شيء لا يخطر على عقل بشر!!

سألته ما بك يا “مراقب”؟ “من راقب الناس مات هما”!! فهمس طالبا مني الصمت، فما أن دخل “المشبوه” أو كما أطلق عليه صديقي “مراقب” احد “الكلاب الضالة” ساحة المدرسة، حتى وثب “مراقب” من المركبة قافزا دون وعي أو تفكير، ضاربا برجله باب المدرسة وكما يُقال “الغضب بفط من عيونه”، أغلقت المركبة وركضت مسرعا قاصدا الساحة، فإذا بصديقي “مراقب” “طابقا في زُميرة رقبته” صارخا في وجهي: هذا هو عار البلد، هذا هو “عدو البلد”! اتركه يا “مراقب”، اترك “مشبوه”، فعيناه فرت من وجهه الأزرق، سترتكب جريمة، فأجابني والغضب يكسو كل ملامح وجهه: سجني في هذا القذر هو وسام شرف لي… وبعد مخاض طويل متعسر تمكنت من إزاحة “مراقب” من على “مشبوه” الذي وقف فاردا عضلاته قائلا: “شو بعنيك، هي المدرسة مدرسة أبوك”، ما أن أنهى جملته هذه، حتى حطت لكمة محلقة من بعيد في وجهه من قبل أحد معلمي المدرسة، فهو الآخر انضم إلى معركة “نكون أو لا نكون” وأنا واقف “كالأطرش بالزفه” غير مدرك لما يحدث ويدور من حولي؟! فصرخ “مشبوه” “مولولا” اليوم “رايح ينطخ عليكم”، مسكين لم ينهِ جملته هذه حتى حطت قدما طويلة لا ادري من أين حلت وهبطت هي الأخرى في وجهه، هذه المرة كانت على ما يبدو لأحد الجيران الذي هرع الى ساحة المدرسة بعد سماع “نهيق” “مشبوه”، وقف مرة أخرى، بعد أن “طاح” أرضا (رأسه “تحت” وقدماه في الأعلى)!! متمتما: “اليوم بنطخ عليكم” “بوم تراخ” وإذا بصفعة “تفقع” في وجهه وعلى خده الوقح، فطاح أرضا مرة اخرى غير قادر على النهوض، مستجمعا قواه، محاولا رفع رأسه، لكن دون جدوى، انظر من حولي محاولا عد الموجودين لم اتمكن، فقد باتوا “كالسمسم”، البلد كلها مجتمعة في الساحة موحدة ضد “مشبوه” همست في نفسي ضاحكا مسكين يا “مشبوه” “على مين ومين بدك “اطخ هاي المره”…

انتهت العركة وانفض الجميع من المكان وراح كل في طريقه، وصديقي “مراقب” نفض الغبار عن ملابسه وكأن شيئا لم يكن، فسألته بعد أن “فرد وجهه” لماذا قمت بضربه؟ فقال من راقب مثل “هؤلاء” يا صديقي عاش حرا كريما!! فغمرت الدهشة وعلامات التعجب والاستغراب وجهي، حتى بدا كعلامة تعجب واحدة كبيرة!!، فأجاب:

بوحدتنا فقط تهابنا “الذئاب” والضالة من “الكلاب”

يا صديقي هذا الشخص دخل باحة المدرسة دون “احم أو دستور” مقتنصا فريسة سهلة! محاولا الاعتداء على احدى الفتيات ساحبا إياها من شعرها محاولا سرقة هاتفها، مادا يده في جيبها ليسرق ما توفر لها من مصروف، غير مكترث لحرمة مدرسة أو بلد أو دين، مُغيب الضمير، كيف كنت تتوقع مني أن أتصرف مع من لا يملك واحدة من هؤلاء! ضحكت “فشر البلية ما يضحك” سائلا: ألا تخاف من أن يأتيك ليلا غادرا، مصوبا نحوك مسدسا أو مطلق عليك من سلاحه الالي وابلا!! أسرع مجيبا: في البداية نعم، خفت حين هددني، ولكن حين رأيت البلد مجتمعة على قلب رجل واحد من حولي ضده معي، تنفست الصعداء، فمسكين من قاتل بلد… ويا سيدي وحتى وإن قُتلت، يكفيني فخرا أن أموت في سبيل الدفاع عن حرمة أختي، ابنة بلدي، عن مدرستي وعن بلدي… فالساكت عن الحق “شيطان اخرس”، نظر إليّ مرة أخرى فوجدني سارحا شاردا في أفكاري غائصا، فصرخ سائلا: بماذا تفكر، بجنازتي أم “بلملمة” أشلائي؟ فأجبته: لا، “كلنا سنموت”، على الأقل، أنت ضمنت لنفسك ميتة شريفة محترمة، فقد أديت الأمانة، أما نحن، فهل سنقبل أن نموت كالنعاج جبناء! أم سنلاقي الرحمان وقد ضيعنا أكبر أمانة، البلد وما فيها!! مدارسنا مستباحة دون حراسة، وكالة من غير بواب!! البلد يضيع ولسان حالنا “من راقب الناس مات هما”!!، نترك “معلمينا” في ساحة القتال وحدهم، ونتبجح في تحصيل أبنائنا ورسوبهم ونشكو ضحالة فكرهم، ثقافتهم وأخلاقهم! ننسى أن التربية والتعليم هما “منظومة متكاملة” مترامية الأطراف، تبدأ بالسلطة إلى البلدية مرورا بالأهل، أين نحن من “مراقب” والجار حين وقفوا معًا في العركة مع المربي ضد “مشبوه”، أسندوا صلبه ومدوه القوة، نعم هذه هي الوحدة… بوحدتنا تهابنا “الذئاب” والضالة من “الكلاب” تفر شاردة خارج الأبواب ابواب المدينة.

Exit mobile version