عالماشي: يوم الارض وعناق الدب

لماذا يتمنع اهالي الطيبة عن المشاركة في فعاليات يوم الارض الخالد ؟ هل هم بهذه اللامبالاة في الوقت الذي تتعرض فيه اراضي الطيبة ومساكنها لهجمة شرسة عبر خارطة هيكلية من هذيان واضعيها ؟ ام ان هناك اسبابا اخرى تحول دون انخراط الطيباوي وبقوة في مثل هذه الفعاليات !

لكل رأيه في هذه الظاهرة وهناك من سيقارن الماضي بالحاضر وهناك من سيلجأ الى اسهل الطرق بدمغ المتغيبين بالخيانة وهناك من سيتهم التنظيم السيء للفعاليات وهناك وهناك … إذن اين هي الاسباب الفعلية لهذا التغيب ولماذا لم يسأل احد نفسه عنها لكي يتحاشاها قدر الامكان في قادم السنوات ؟

ارى ان وقوف الناس جانبا من كل هذه الفعاليات يعود الى عدة اسباب برأيي الذي لا افرضه على احد. وعلاوة على الملل الذي نجم عن التكرار حتى ادق التفاصيل سنة بعد سنة وباتت نفس الخطابات يلقيها نفس الاشخاص وهم يضعون نفس رباط العنق من العام الماضي، فهناك كثير من الامل الضائع ولا اقول الاحباط، بأن هؤلاء القائمين على تنظيم فعاليات يوم الارض قادرون على فعل شيء جديد بعيدا عن الخطابات المنمقة.

ولكن لا يمكننا التغاضي عن الجانب الخفي الذي يفكر فيه الكثيرون كل بطريقته، وما يعيق التصريح به جهارا هو تجنب الاحراج. اعني هنا “عناق الدب” لهذه الفعالية، وعناق الدب يعني الخنق ثم القتل مع ان النوايا في البداية تكون عادة فيضا من الحنان والمحاباة والمداعبة والحرص الشديد، ولكن عرف عن الدب بقتله لصغاره احيانا بهذه الطريقة غير المقصودة.

الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة امتداد للقائمة الجديدة للحزب الشيوعي الاسرائيلي (ركاح) او انها ذات التنظيم بذات الاهداف ولكنها بتسمية مختلفة لتتسع. هذا التنظيم السياسي وبحق يرى بنفسه صاحب الملكية الفكرية ليوم الارض، وان لا احد يستطيع ان يستولي على هذا الانجاز النضالي الذي عبر الحدود وليس الخط الاخضر وحسب. ولهذا لا عجب في ان اللجنة الشعبية للدفاع عن الارض والمسكن في الطيبة حين تجتمع لتبحث الخارطة الهيكلية المجحفة لمدينة الطيبة او غيرها من الامور العامة، فهي لا تبالي بمكان انعقاد الاجتماع ، وكانت تلتئم في مقر التجمع احيانا. ولكن حين يدور الحديث عن يوم الارض والإعدادات له فإن الجبهة لا تسمح لأي طرف آخر بالجلوس على رأس الطاولة او ان يجر اللجنة الى ساحته.  انه الشعور بالملكية حتى النخاع، ومن هنا يأتي هذا العناق الخطير لفعالية يوم الارض.

مع احترامي للجهد الذي تبذله كوادر الجبهة على مدار اسابيع طويلة من تحضير وإعداد عسير لإنجاح هذه الفعالية الوطنية من الدرجة الأولى، فإنني ارى ان الاستحواذ الكامل هنا قاتل وقاتل جدا. صرت ارى بوادر نضوب ينبوع الافكار في تقديم فعالية وطنية بشكل يجذب اليها الصغير والكبير. يجب ابتكار فعالية غير منسوخة عن سيناريو العام الماضي والسابق له والأسبق لهما رجوعا الى الذكرى الأولى، ما الجديد في سيناريو هذه الفعاليات؟ من هنا فقد الشباب جدوى هذه “التمثيلية” على حد تعبيرهم، التي تبدو في نظرهم من باب رفع العتب.

إذا اردنا ان نحقق اهداف هذه الفعالية علينا ان نهتف في آذانهم وليس في آذان انفسنا، علينا ان نصرخ بوجوههم وليس تحت شرفات منازلنا في شوارعنا الداخلية كي لا نزعج المارة على الشارع الرئيس. نحن اكثر الشعوب المظلومة خنوعا لظلامه، السيطرة علينا والتصرف بمقدراتنا امر مريح للغاية، وقد صنعناه مريحا لأننا نريد ان نبدو متحضرين في اعين الآخر، كي لا يرمينا بالهمجية. كم سنة قادمة سنحتفل بذكرى يوم الارض، عشر سنوات ام عشرين سنة ؟ إذا بقينا على هذا الحال فصدقوني انهم سيصادرون حتى الرقعة التي وضع عليها النصب التذكاري، ولن يبقى لنا بعد ذلك مكان لمنصة نقف عليها يوم الارض ولو لصورة تذكارية .

ارى انه آن الاوان للرفاق ان يشركوا الآخرين عملا بمبدأ “سيروا الى جانبنا” وليس مبدأ “سيروا خلفنا”، لأن مقاسات هذا الحدث اوسع وأكبر من اي جسم سياسي مهما كان لهذا الجسم السياسي من فضل في اندلاع الشرارة الاولى له. فقد اصبح يرى الكثيرون في فعاليات يوم الارض امرا باليا غير متجدد يهترئ مع كل يوم يمر ولا احد يحاول ترقيعه بالجديد كي يمده بأنفاس وبأفكار جديدة ولا حتى بخطباء جدد.

يوم الارض جاء في عام 1976 مختلفا عن يومياتنا الرمادية آنذاك، ولهذا دخل التاريخ وصمد وتخطى صفته المحلية الى الدولية حتى بلغ آخر اصقاع الارض، فهو جاء بلونه وصيغته وزخمه وطرحه غير المتبع حتى ذلك الحين. ولكي نحافظ على جذوة هذه المناسبة الوطنية متقدة، علينا ان نبتعد عن الرمادية التي تقود الى الملل واضمحلال هذه الذكرى العطرة في اذهان الجميع.

معظم طلاب المدارس الثانوية اليوم لا يعرفون ماذا يعني يوم الارض ومن اين أطل علينا ولا يرون فيه سوى “تقليد” هو عبارة عن مسيرة هتافات خطابات اكاليل وسلامات!! فلماذا لم يكلف المنظمون انفسهم بإصدار كراس وثائقي يحتوي على كل ما يتعلق بهذه المناسبة من يومها الاول ولغاية الآن، أولسنا نسعى الى توعية الجيل الصاعد ؟

لم اكن لأكتب عن هذه المناسبة الوطنية العزيزة على قلبي لولا غيرتي العميقة عليها لاسيما وإنني كنت اول معتقل من مدينة الطيبة خلال احداث يوم الارض الاول الثلاثين من اذار 1976.

مع تحيات: اخوكم ابو الزوز

Exit mobile version