- موقع الطيبة نت - http://www.taybee.net -

مع المستشارة أحلام جمعة- لماذا يفشل الطلاب ويتسربون من المدرسة!

في هذه المقالة تتناول مدربة التنمية البشرية والمعالجة الزوجية والأسرية، أحلام جمعة، أسباب الفشل الدراسي، والتسرب الخفي والمعلن من المدرسة، مشاكل سلوكية وعاطفية، عدم انضباط وغيرها!

التسرب الخفي والمعلن من المدرسة [1]

تؤكد الدراسات الحديثة ان القدرة العقلية اللازمة للنجاح في المدرسة واجتياز الامتحانات النهائية، هي في مجال قدرة كل طالب (الا اذا كان مستوى قدرته العقلية دون المستوى العام لمقاييس الذكاء المتبعة). مظاهر عديدة تتلازم مع الفشل الدراسي، منها التأخير الصباحي، التغيب، التسرب الخفي والمعلن من المدرسة، مشاكل سلوكية وعاطفية، عدم انضباط وغيرها، وتعود أسبابها الى عوامل اجتماعية، ثقافية، نفسية، تنظيمية وأخرى، تدرج ضمن مجالين:

 1.     عوامل تتعلق بالمدرسة:

مثل مبنى المدرسة، تصنيف الطلاب حسب مستويات ومسارات تعليمية تحدد توجهاتهم المهنية في المستقبل ومركزهم الاجتماعي, توقعات متدنية من الطلاب، برامج تعليمية ضحلة وغيرها.

2.   عوامل خارجية:

مثل تأثير البيئة السكنية، الوضع الاجتماعي والاقتصادي، عدم توفر دعم من قبل “شخصيات هامة” في حياة الطالب، أسباب عاطفية تتعلق بشخصية الطالب او بظروف حياته وغيرها من الأسباب.

نسبة الطلاب المتسربين هي اكبر في المسارات التعليمية “المتدنية” تحصيليا

 من السهل ان نلاحظ ان نسبة الطلاب المتسربين من المدرسة هي اكبر في المسارات التعليمية “المتدنية” تحصيليا. هؤلاء الطلاب اكتسبوا خلال سنوات دراستهم خبرات سلبية وتجارب فشل متكررة خلقت لديهم قناعات غير حقيقية حول عجزهم الدراسي وشعور بالإحباط والفشل. قناعاتهم هذه ازدادت تأكيدا عند استلامهم شهاداتهم المدرسية المتدنية وعند تصنيفهم في المسارات التعليمية “المتدنية” تحصيليا، وأيضا عند تعامل الاخرين من حولهم ( مجموعة الاقران، البيئة السكنية، الأهل، والمعلمين) معهم وفقا لتصنيفهم التعليمي المتدني. كل ذلك كاف لإقناع الطالب بعجزه الدراسي وتعزيز شعوره السلبي تجاه المدرسة.

 لتوضيح ذلك نستند على التجربة التي اجراها الباحثان روزنتال وجاكوبسون (1968)، على عينة من معلمي احدى المدارس الابتدائية، اذ طلبا في بداية السنة الدراسية اجراء اختبار يقيس القدرة العقلية لدى الطلاب لاكتشاف المتميزون منهم. في الحقيقة لم يجر الباحثان أي اختبار للطلاب بل قاما بتقديم معلومات كاذبة للمعلمين بالإشارة بصورة عشوائية الى أسماء مجموعة منهم دون علمهم، على انهم يتميزون بذكاء وقدرة تعليمية عالية ويتوقع منهم ان يحرزوا تقدما كبيرا في نتائجهم الدراسية حتى نهاية العام الدراسي.

 وفي نهاية العام الدراسي تم فحص نتائج الطلاب، ليتبين ان مستوى تحصيل الطلاب الذين اشير اليهم كمتميزين وذوي قدرات عالية حسب الاختبار المزعوم، كان اعلى بصورة ملحوظة من مستوى اقرانهم في جميع المواضيع الدراسية، ووصفهم معلموهم بانهم اكثر اهتماما وحبا للاستطلاع، واكثر إصرارا وقدرة على التحمل والتكيف الذاتي والاجتماعي ولذلك توقعوا ان يحققوا نجاحا في حياتهم المستقبلية اكثر من زملائهم.

 في تجربة أخرى أجريت على طلاب احدى المدارس الصناعية، تم اختيار خمسة طلاب بشكل عشوائي على انهم يتميزون بقدرة وموهبة خاصة في احد المواضيع المهنية، دون ان يجرى أي اختبار فعلي لقدراتهم. خلال ستة اشهر من اجراء التجربة، ظهر تغيير واضح في سلوك هؤلاء الطلاب نسبة لباقي زملائهم وقل عدد أيام تغيبهم عن المدرسة، واستطاعوا ان يكتسبوا أسس المهنة خلال نصف المدة الزمنية المتوقعة منهم.

ما التفسير لذلك؟

الأفكار والتوقعات العالية التي رسمها المعلمون في اذهانهم حول مستوى الطلاب الذين وصفوا بانهم متميزون، زادتهم ثقة وقناعة بقدرات هؤلاء الطلاب ومكنتهم من منحهم معاملة خاصة اتسمت بالاهتمام الكبير، المساعدة، التشجيع والدعم، الامر الذي انعكس على الطلاب وزاد من قناعتهم بقدراتهم وحفزهم للتصرف كان التوقعات حقيقية.

سميت هذه الظاهرة بتأثير البيجماليون  Pygmalion effect او النبوءة التي تحقق ذاتها، وهي ظاهرة اثبتت مفعولها أيضا في مجال العمل.

تجارب مشابهه أجريت على العاملين في مصانع ومؤسسات مختلفة، وجدت ان التوقعات العالية التي اظهرها المدير بتعامله مع العاملين تحت اشرافه، زادت من نسبة انتاجهم وتحسن اداؤهم بشكل ملحوظ. استخدمت هذه الظاهرة فيما بعد كاستراتيجية لرفع مستوى الإنتاج في المؤسسات وأماكن العمل.

 من جهة أخرى، وجدت الدراسات ان الاستخدام العكسي لظاهرة البيجماليون يظهر نتائج سلبية عند تعامل المعلمين مع الطلاب ذوي التحصيل المتدني، اذ يعكس في الغالب توقعات متدنية وسلبية تجاههم، مما يؤدي الى تعزيز شعورهم بعجزهم الدراسي والى اضعاف أدائهم.

تتجلى في أساليب التربية التي يتبعها الأباء

اما في مجال التربية الوالدية، فان ظاهرة البيجماليون تتجلى في أساليب التربية التي يتبعها الأباء، بتعاملهم مع أبنائهم، والتي تؤثر الى حد كبير في بناء شخصيتهم.

نأخذ على سبيل المثال والدان يريدان ان يحفزا ابنيهما “المقصرين” بدراستهما، فيخاطب احدهما ابنه بالعبارات التالية: ” اعلم انك شخص مثابر وطموح ومن السهل عليك تحسين نتائجك”، ” انا واثق من قدراتك فقد اثبت ذلك في مجالات عديده سابقا واتوقع ان تحقق نجاحا في دراستك”. اما الوالد الاخر فيقول: ” اعرف انك ضعيف بمعظم المواد، اريدك على الأقل ان تخرج بشهادة انهاء من المدرسة”، ” الا يكفي انك لا تنفع بالدراسة، ويشكو معلميك أيضا من سلوكك المزعج”، ” اعتقد انه صعب عليك ان تتخصص بهذا الموضوع فعلاماتك لم تكن جيده في السنة السابقة”. في المثال المذكور نرى ظاهرة البيجماليون بتأثيرها الإيجابي والسلبي في توجه كلا الوالدين لتشجيع ابنيهما على الدراسة. فان كان الاستخدام الإيجابي للبيجماليون يعمل على تحفيز الأبناء ورفع ثقتهم بأنفسهم وتصورهم الذاتي وقدرتهم على الإنجاز، فان الاستخدام العكسي يساهم دون قصد في تدني التقدير الذاتي للأبناء واحباطهم.

الحاجة الى الشعور بالقدرة على الإنجاز وتحقيق نتائج جيدة

تلخيصا نرى ان المربي (أب، أم، معلم، مرشد، قائد) يعتبر شخصية لها كبير الأثر في تشكيل شخصية الطالب. اذا كانت العلاقة جيدة بينهما فإنها تلبي حاجات الطالب الأساسية الضرورية لحدوث عملية التعلم الا وهي الحاجة الى الشعور بالقدرة على الإنجاز وتحقيق نتائج جيدة، الحاجة الى الشعور بالاستقلالية والقدرة على المبادرة، والحاجة الى الحب والى علاقة جيده وداعمة مع شخصيات ذات أهمية بالنسبة للمتعلم.

تأثيرها يأتي بالفائدة الكبرى والاثر العظيم لكلا الطرفين

 “انا اثق بقدراتك”.. “انا اعتمد عليك”.. “لديك حس بالمسؤولية”.. “لا باس انك لم تنجح في الامتحان هذه المرة انا وثق انك تستطيع تحسين علاماتك”.. “اعرف ان ذلك ليس بمهمة سهله ولكني متأكد انك ستتغلب على ذلك”.. عبارات لا تكلفنا شيئا اذا استخدمناها بكثرة ولكن تأثيرها يأتي بالفائدة  الكبرى والاثر العظيم لكلا الطرفين.